ابن عطاء الله السكندري
القسم الأول 20
الله ، القصد المجرد في معرفة الاسم المفرد ( ويليه حبة المحبة )
جلّ وعلا ، ويصير رفيقا إلى الملأ الأعلى المنزّه المطهّر المزكّى من الملائكة . فإنهم على بساط من القرب ، فيشبهه بصفاتهم . ينال القرب بقربهم بقدر ما ينال من أوصافهم المرضية المقربة لهم إلى اللّه تعالى ، والمراد قرب الدرجات والمقامات ، لا قرب الجهات والمسافات . ومهما اقتدى بالملائكة وتشبّه بأخلاقهم كان أبعد عن البهيمية وأحوالهم وأقرب إلى الملائكة وأوصافهم ، والملك قريب من اللّه ، والقريب من القريب قريب ، وكلما كانت علوم العبد ومعارفه أكثر وأوسع كان أقرب إلى اللّه تعالى وأرفع ، وعلى قدر ما يكشف له عن إدراك حقائق المعلومات على ما هي به وعليه . وتتضح له تفاصيل صفات العلوم من جهتها كشفا تاما ، وإيضاحا يقينا ، ثبتت تعلقات معلوماته بعلمه ، وبقيت ودامت وصحّت ، وتبيّن كمالا للنفس في حياتها وبعد مماتها . وفي استيلاء العلم على المعلوم نوع من الكمال الذي هو من صفات الربوبية ، لإحاطته عليها بعلومها ، فلا يلحقه بعد ذلك زوال ولا انقلاب ولا تغيّر ولا نقص . وحينئذ يكون قد تمكّن قربه من اللّه تعالى ، وزادت معرفته ، ونارت بصيرته ، ورسخ توحيده وذلك من حيث إن اللّه تعالى دائم باق ، ولا يلحقه زوال ، ولا نقص ولا تغيّر ، ولا تقبل صفاته شيئا من التغيرات مما يلحق المحدثات فإن قرب الحقّ جلّ وعلا بالعلم والقدرة لعامة المسلمين . وقربه باللطف والنصرة لخاصة المؤمنين . وقربه بالأنس والشهود للأولياء والعارفين . وحقيقة القرب من اللّه تعالى فقد حسّ الأشياء من القلب بصدق الضمير إلى اللّه سبحانه وتعالى . وأقرب ما يصل العبد به إلى اللّه تعالى كمالات النفس برياضة العلم ، إلى الأخلاق الحميدة ، وتنزيهها بالآداب السنية المفيدة ، بالرياضات العقلية الحسنة السريرة . وهي ثلاثة أشياء : أولها : زيادة المعرفة بالعلم والتقوى . الثانية : الحرية من رقّ الشهوة والهوى . الثالثة : تزكية النفس بالتخلّق بأخلاق المولى . فإن أشرف المعرفة معرفة اللّه تعالى بأسمائه وصفاته . وأشرف الحريّة الخروج عن رؤية النفس ودعواها بالكلية . وأشرف تزكية النفس الاتصاف بكل خلق وأدب حسن عقلا وشرعا . فيكون المتّصف بهذه الأوصاف مخصوصا بالدرجة العليا والمقام الأسنى متّصفا بصفات الكمال الملكي ، متنزها عن صفة النقص